الشيخ محمد علي الأنصاري
498
الموسوعة الفقهية الميسرة
أو غيرها . نعم ، يبقى بحث آخر ، وهو : أنّه بناءً على خروج التورية عن الكذب حقيقة ، وكون الأصل فيها هو الجواز - بمعناه العام المقابل للحرمة - فهل تجب في موارد الضرورة للخروج عن الكذب ؟ اختلف الفقهاء في ذلك على قولين : القول الأوّل - وجوب التورية : ذهب إليه أكثر القائلين « 1 » بخروج التورية عن الكذب حقيقةً ، والقائلين بجوازها بالمعنى المتقدّم ، لكي يتخلّص الإنسان عن ارتكاب الكذب . نعم ، اشترطوا في وجوبها العلم بها ، والقدرة عليها ، ونحو ذلك ، وسوف تأتي كلماتهم في التطبيقات . القول الثاني - عدم الوجوب : لم نعثر على من صرّح بعدم وجوب التورية مطلقاً ، وفي جميع الموارد ، وإنّما وجدنا بعضهم قال ذلك في بعض الموارد ، كالإكراه على الطلاق - وله سبب سنذكره في التنبيه - . فمثلًا قال الشهيد الثاني في الروضة : « ولو أكرهه على طلاق إحدى الزوجتين فطلّق معيّنة ، فالأقوى أنّه إكراه . . . ولا يشترط التورية بأن ينوي غيرها ، وإن أمكنت » « 2 » . بينما قال في مسألة إنكار الوديعة إذا طالبها الظالم ، بعد قول الشهيد الأوّل : « نعم يجب عليه اليمين لو قنع بها الظالم ، فيورّي » : « بما يخرجه عن الكذب . . . » إلى أن قال : « وإنّما تجب التورية عليه مع علمه بها ، وإلّا سقطت . . . » « 3 » . فقال هنا بالوجوب بشرط العلم بكيفيّتها ، بينما لم يقل ذلك في الطلاق . وقال سبطه السيّد العاملي معلِّقاً على كلام المحقّق الحلّي : « ولو حلف على تخليص مؤمن أو دفع أذيّة لم يأثم ولو كان كاذباً ، وإن أحسن التورية ورّى » : « وذكر المصنّف وغيره أنّ مَن هذا شأنه إذا أحسن التورية بما يخرجه عن الكذب ورّى ، وظاهرهم أنّ ذلك على سبيل الوجوب ، ولا بأس بالتورية ، لكن في تعيينها نظر » « 4 »
--> ( 1 ) نسب الشيخ الأنصاري القول بالوجوب إلى المشهور فيالمكاسب 2 : 22 ، ثمّ ذكر : المقنعة : 556 ، والغنية : 283 ، والسرائر 3 : 43 ، والشرائع 2 : 163 ، و 3 : 32 ، والتحرير 2 : 529 ، والقواعد 2 : 188 ، واللّمعة وشرحها ( الروضةالبهيّة ) 4 : 235 ، وجامع المقاصد 4 : 27 ، ومجمع الفائدة 10 : 300 ، وكشف اللثام 9 : 25 ، وكشف الغطاء 4 : 420 ، واختاره الشيخ الأنصاري نفسه في آخر بحثه بعد الميلإلى عدم اللّزوم أُنظر المكاسب 2 : 26 . ( 2 ) الروضة البهيّة 6 : 21 . ( 3 ) الروضة البهيّة 4 : 235 . ( 4 ) نهاية المرام 2 : 341 .